أحمد بن محمد ابن عربشاه

116

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

من جهات أبيه ، والتف عليه جماعة من عبيد البطن والمجاعة ، كأنهم طير قرلي « 1 » إن رأى خيرا تدلى ، وإن رأى شرا تعلى ، ومدّ يد الإسراف في التبذير والإتلاف ، وصار أبوه ينصحه ويردعه عن جموحه ويكبحه . وقال له : يا بنى استعمل الارتفاق في الإنفاق واستخلص من الرفاق ذوى الإشفاق ، واعلم أن هذا المال هو لك مدخر ولتصرفك فيه منتظر ، وإنما أنا لك خازن ، واللّه تعالى مجاز على فعالى من مساو ومحاسن ، وتيقن أن المال هو عزك في الدنيا ، وزادك إلى الأخرى ، وأن له وجوها ومصارف وعوارف ومعارف ، فإذا صرف في غير محله ودفع إلى غير أهله كان إثما ووبالا وفي الآخرة عذابا ونكالا ، وأحمق الناس المستحق لنزول الباس من اكتسب المال حلالا وبذره في الفساد يمينا وشمالا وادخر به إثما وخبالا فصرفه إلى من لا يحمده وعليه حسابه ونكده ، وأنت إذا صرفت مالك ووزعته وفي غير مواضعه زرعته ، وأنفقته على من لا يعرف فضيلتك ، ولا يحمل جميلتك ، ولا يشكر صنعك ، ولا يقصد نفعك ، ولا يجلب لك خيرا ، ولا يكشف عنك ضيرا ؛ خرجت من عز الدنيا وفوّت زاد الأخرى ، وهؤلاء الذين قبلك مهطعين « 2 » عن اليمين وعن الشمال عزين « 3 » ؛ ثمرة صحبتهم الندامة ، وعاقبة أمرهم الخيبة والملامة ، والبعد عنهم غنيمة وسلامة ، وإذا كان الأمر كذاك ، فإياك يا ولدى ثم إياك من صحبة هؤلاء الأحداث ، والتلوث بقربهم فإنهم أخباث ، واحتفظ بصون مالك ولا تنفقه إلا على نفسك وعيالك ، وفيما يبقى ماء وجهك في حالك ومآلك ولا زال أبوه قابض عنانه بقدر طاقته وإمكانه يذكّره هذه الوصية بكرة وعشية حتى أدركته المنية ، وخلف ذلك المال العريض لذلك الولد المريض ، فمد يده كما كان إلى كل مفسدة ونسي

--> ( 1 ) القرلى : طائر مائي يتغذى بالأسماك . ( 2 ) مسرعون . ( 3 ) عزين ، مفردها عزة : متفرقة .